THE LIBERAL LIBRARY / INDEPENDENT PUBLISHINGنشر المعرفة وتوسيع آفاق التفكير
أخبار ومقالات

فجر: حين يقف الناجي أمام مسؤولية القتل

تقديم ومراجعة

2026-10-19

ساعة لا تشبه سائر الساعات

ماذا يفعل الإنسان حين تضعه قضية يؤمن بها أمام فعل لا يستطيع أن يعيد الزمن بعد ارتكابه؟ تنعقد رواية «فجر» حول هذا السؤال، وتمنحه زمناً ضيقاً يكاد يتسع لحياة كاملة، ينتظر شاب حلول الصباح لينفذ أمراً بقتل أسير، وخلال الانتظار تتكاثر الأصوات والذكريات والتبريرات، ويتحوّل الزمن الفاصل عن الفعل إلى مواجهة مع الذات، الفجر الذي يوحي عادةً ببداية جديدة يغدو هنا موعداً لاختبار أخلاقي لا يضمن الضوء حسمه.

ينتمي «فجر» إلى ثلاثية إيلي فيزيل (Elie Wiesel) التي تضم «ليل» و«نهار»، لكنه لا يكرر تجربة الكتاب الأول، ففي «ليل» يكتب المؤلف شهادة سيرية عن المعسكرات النازية، وفي «فجر» يبني عالماً روائياً يختبر فيه ما قد يحدث حين يحمل الناجي ذاكرة الاضطهاد إلى ميدان العنف السياسي، والتمييز بين المؤلف وشخصيته ضروري هنا؛ فالشخصية مجال للسؤال والتخييل، ولا يصح اتخاذ أحداث الرواية تسجيلاً مباشراً لحياة فيزيل.

وُلد فيزيل سنة ١٩٢٨، ونجا من المعسكرات، ونال جائزة نوبل للسلام سنة ١٩٨٦، وتفسر هذه الخلفية مركزية الذاكرة في كتابته، لكنها لا تختصر عالمه الروائي، إن انتقاله من الشهادة إلى الرواية يفتح مجالاً لمساءلة الدوافع والاحتمالات والمآزق التي لا يكفي سرد الوقائع وحده للإحاطة بها، ويجعل الأدب قادراً على إبطاء اللحظة التي تسبق القرار وكشف ما يخفيه الخطاب الجماعي وراء وضوح عباراته.

تجري الأحداث في فلسطين في ظل الانتداب البريطاني، حيث ينضم الشاب الناجي إليشا إلى تنظيم يهودي سري، ويُكلّف بقتل الضابط البريطاني الأسير جون داوسون رداً على إعدام أحد أفراد التنظيم، تكفي هذه البنية المحدودة لفتح سؤال يتجاوز حدود العملية نفسها؛ ما الذي يحدث للإنسان حين يصير مسؤولاً عن موت إنسان آخر لم يختَرْه خصماً شخصياً؟

تضع الرواية خطاب التنظيم في مواجهة حضور الأسير الفرد، فالتنظيم يفكر بمنطق الردع والرد والقضية، بينما يقود الاقتراب من المحكوم بالموت إلى إدراك أن الاسم الذي تعلّق به الأمر ليس علامة مجردة، إنه إنسان له حياة وذاكرة وعلاقات، وبقدر ما يستعيد الأسير فرديته تزداد صعوبة الفصل بين القرار السياسي والفعل الذي ستنفذه يد بعينها، هنا يكشف السرد حدود الكلمات التي تبدو كافية قبل أن يصبح الموت قريباً.

لا تقف ذاكرة الاضطهاد وراء الشخصية بوصفها زمناً منتهياً، إنها تدخل معها إلى الغرفة وتشارك في انتظار الصباح، وتكتسب الأصوات والصور المستعادة حضوراً يجعل إليشا محاطاً بماضيه وهو يحاول أن يتصور مستقبله، بهذه الطريقة يوسّع فيزيل مشهد الانتظار؛ يصبح القرار الفردي ملتقى لتجارب الفقد والتربية والانتماء والخوف والرغبة في الخلاص من العجز.

غير أن المعاناة السابقة لا تمنح الشخصية إعفاءً تلقائياً من سؤال المسؤولية، وهذه إحدى أكثر مناطق الرواية إزعاجاً للقارئ؛ إذ تدفعه إلى التفكير في إمكان انتقال الإنسان من موقع الضحية إلى موقع ممارس العنف، من دون إنكار ما تعرض له أو استخدامه مبرراً كافياً لما يفعله، إن الاعتراف بالمأساة الماضية ومساءلة الفعل الحاضر مطلبان يستطيع الأدب أن يجمعهما في تجربة قراءة واحدة.

تتأسس قوة «فجر» على إبقاء المسافة مرئية بين تنفيذ الأمر وتحمل تبعاته، يستطيع الفرد أن يستند إلى قيادة أو جماعة أو ضرورة تاريخية، لكن هذه المرجعيات لا تمحو علاقته بما سيفعله، لا تعالج الرواية هذه المسألة بخطبة جاهزة؛ تضع الشخصية أمام قرب الجسد والصوت والوقت، وتكشف أن العبارات العامة تتغير حين تتصل بمصير شخص محدد.

ومن هذا المنظور يصبح انتظار الصباح اختباراً للتبرير نفسه، فما يبدو واضحاً في لغة الصراع لا يظل بالوضوح ذاته في خبرة الفرد، وقد يجد القارئ نفسه أمام انقسام لا يملك تسويته بسهولة؛ بين فهم أسباب التمرد على السيطرة، وإدراك أن هذا الفهم لا يحسم الحكم على كل وسيلة تتخذها جماعة باسم قضيتها، تترك الرواية هذا التوتر يعمل داخل القراءة، وتقاوم اختزاله في اصطفاف سريع.

سؤال يتجاوز زمن الرواية

تنبع راهنية «فجر» من سؤاله عن الإنسان داخل الجماعة وعن حدود ما يفعله باسمها، وهو سؤال يتجدد حيث تتسع لغة الضرورة وتضيق مساحة الاعتراض، وحيث يُطلب من الفرد أن يؤجل ضميره إلى ما بعد الانتصار، لا تساوي قراءة الرواية قبول سرديتها السياسية من دون نقاش؛ إنها تتيح مساءلة العلاقة بين المظلمة والوسيلة، وبين الانتماء والقدرة على الحكم الأخلاقي.

ولهذا لا يكون تقديم الكتاب للقارئ العربي دعوة إلى استبدال حكم جاهز بآخر، إنه دعوة إلى متابعة اللحظة التي يتحول فيها الآخر من فئة أو رمز إلى إنسان، واللحظة التي يكتشف فيها الفاعل أن الأمر المنفذ سيصبح جزءاً من ذاكرته هو أيضاً، في هذا التقاطع بين ذاكرتين، ذاكرة من نجا وذاكرة ما سيفعله، تضع «فجر» ثقلها الروائي وأسئلتها التي تستمر بعد نهاية الانتظار.

شيرين علوشمديرة قسم الترجمة والتحرير

الكتاب المرتبط