
تقديم
يتغير معنى الألم عندما يتحول من تجربة تحتاج إلى فهم إلى تهمة تطلب اعترافاً، فقد يبحث المتألم عن سبب لما أصابه، فيجد تفسيراً يخبره بأنه يستحق ما يعانيه، وعندئذ يضاف إلى العبء الأول عبء الحكم على الذات، وتكتسب الجهة التي تقدم هذا التفسير سلطة تتجاوز الإجابة عن السؤال، لأنها تحدد طبيعة الخطأ وطريق الخلاص منه، ومن هذا التحول نستطيع الاقتراب من أحد أسئلة نيتشه: ما الذي تفعله بنا الأحكام التي تعلمنا أن نرى أنفسنا عبرها؟
يستعيد آلان دو بنوا (Alain de Benoist) هذا السؤال في كتابه "نيتشه؛ الأخلاق والسياسة الكبرى"، الصادر عن الدار الليبرالية بترجمة منتجب صقر، مع تقديم وتعليق وشرح لجورج برشيني، وأركز هنا على القسم الأول المخصص لنشوء الأخلاق وتحولاتها، مستعينة بتمييز يطرحه الملحق المستقل لنوربرتو بوبيو، فالفصل بين أصوات هذه الطبعة ضروري لقراءة حججها؛ إذ نتعرف إلى نيتشه عبر تفسير دو بنوا، وإلى التفسير عبر صياغته العربية وما يرافقه من مواد توضيحية.
ينقل البحث في نشوء الأخلاق الانتباه إلى تاريخ المعيار الذي يحكم الفعل، فبدلاً من البدء بقائمة الفضائل والرذائل، يسأل التحليل عن الظروف التي منحت بعض الصفات قيمتها، وعن القوى التي امتلكت حق تسميتها، ومن ثم يغدو وصف فعل بأنه جيد واقعة تستدعي التفسير، وتظهر خلف الكلمات علاقات اجتماعية وتقديرات للحياة، ويسمح هذا الانتقال بفحص ما يبدو بديهياً في تربيتنا، من دون افتراض أن الاعتياد على حكم ما يكفي لإثبات صحته.
ويشدد دو بنوا في مستهل الفصل الثاني على أن مشروع نيتشه يحمل إرادة في التقويم، ومن ثم لا يمنح رفض حكم موروث إذناً بإباحة كل فعل، ويضع هذا التحديد النقد أمام مسؤولية بناء أسباب جديدة للاختيار، ويمكن أن نستخلص منه أن السؤال عن تاريخ التحريم لا يكفي وحده لتسويغ الإقدام على الفعل، كما أن قدم قاعدة أخلاقية لا يحسم مصيرها، ويحتاج الانتقال من كشف نشأة الحكم إلى إصدار حكم آخر إلى حجة يستطيع القارئ مناقشتها.
ويقدم الفصل المعنون "معرفة الشجرة لتقدير الثمار" تمييزاً يمنع اختصار هذا المنهج في البحث عن بداية بعيدة، فالمؤسسات والعادات تستطيع تغيير اتجاهها ومعناها، واستعمالها الحاضر لا يكشف تلقائياً أسباب ولادتها، لذلك تتطلب القراءة تتبع التحولات التي خضعت لها، والغايات التي استخدمتها من أجلها قوى لاحقة، وبهذا المعنى يكتسب السؤال عن الأصل قيمته من قدرته على إظهار الحركة داخل ما نعامله كثابت، ويغدو التاريخ اختباراً لتفسيراتنا، بما فيها التفسير الذي نميل إليه نحن.
تتخذ هذه المسألة صورة ملموسة في تحليل الوظيفة التي يؤديها رجل الدين الزاهد داخل النموذج النيتشوي الذي يعرضه المؤلف، إذ يمنح الألم معنى أخلاقياً، ويحول صاحبه إلى مسؤول عن مصابه، ثم يعرض طريقاً للتكفير، وتتكون سلطته في هذه الحركة المتصلة بين تفسير المعاناة وتعيين الذنب وتقديم العلاج، ويستدعي هذا التحليل الانتباه إلى ما يمنحه التفسير لصاحبه من موقع، وإلى الاعتماد الذي قد ينشأ عليه لدى من يطلب منه فهم حياته.
غير أن فحص هذه الآلية يحتاج إلى التمييز بين تحميل الإنسان ذنب وجوده وبين مساءلته عن ضرر أحدثه، فالاعتراف بالخطأ قد يتيح إصلاحاً، وقد يتحول إلى إخضاع دائم، ويمكننا أن نسأل عن الأثر في كل حالة؛ هل يحدد الحكم فعلاً نستطيع مناقشته وتعويض المتضرر منه، أم يجعل الشخص عاجزاً مهما فعل؟ وتمنحنا هذه الأسئلة وسيلة لاختبار أشكال المحاسبة التي نمارسها، مع إبقاء المسؤولية قابلة للتحديد، والاعتراض ممكناً، والإصلاح متاحاً.
ويفسر دو بنوا انقلاب القيم بالرجوع إلى الضغينة، أي إلى الحالة التي يعيد فيها العجز عن الفعل تشكيل الحكم على الآخرين، فالشخص الذي لا يستطيع بلوغ صفة ما قد يجعلها موضع إدانة، ويمنح حرمانه منها مرتبة الفضيلة، وتهمنا هنا قدرة الانفعال على إنتاج مقياس يتجاوز صاحبه، ثم يقدم نفسه حكماً عاماً على الحياة، وبذلك يختلف تحليل الضغينة عن مجرد تسجيل انفعال عابر؛ إنه يتتبع تحول علاقة مؤلمة إلى سلطة في التقييم.
وتبلغ هذه القراءة موضعها الأكثر قابلية للمناقشة عندما تتسع المقابلة بين القوي والضعيف لتفسير الاعتراض الاجتماعي، فإرجاع الاحتجاج إلى الضغينة قد يكشف دافعاً مستتراً في حالة معينة، لكنه يحتاج في كل حالة إلى دليل، ويظل ممكناً أن يعترض الإنسان على علاقة ظالمة لسبب يستطيع تسويغه، وأن يدافع عن حق يتجاوز منفعة شخصه، ولا يجوز لطريقة في تفسير الدوافع أن تعفينا من فحص موضوع الاعتراض نفسه، وما يقدم أصحابه من حجج عليه.
يساعدنا هذا الاحتراز على فهم ما يسميه المؤلف أخلاق الشرف، فهو يصف ضميراً يقوم على متطلبات يحملها الإنسان تجاه نفسه، وعلى قدرته على الفعل والوفاء بما يلتزم به، وفي هذه الصورة تقترن القيمة بالاستعداد لبذل جهد، وبالقدرة على تحمل تبعات الاختيار، وتستحق هذه الفكرة النظر لأنها تجعل الاستقلال مطلباً شاقاً، يختبره الفعل، ثم يبقى السؤال عما يضمن أن يتسع تقدير القدرة لمساءلة استخدامها، ولأثرها في من يواجهونها.
ومن هنا تكتسب الصلة بين الأخلاق والسياسة معناها؛ فالسؤال عن الصفات التي تستحق التقدير يمس توزيع المكانة والاعتراف، وتحديد ما ينتظره المجتمع من أعضائه، ويمكن للقراءة أن تميز بين تشجيع التفوق في عمل أو معرفة، وبين منح المتفوق سلطة لا تخضع للمحاسبة، كما تستطيع أن تميز بين المساواة في الحماية القانونية وبين افتراض تشابه الناس في مواهبهم، ويسمح هذا التحديد بمناقشة التراتب من دون جمع مسائل مختلفة في حكم واحد.
ويمنح الملحق المنسوب إلى نوربرتو بوبيو داخل الطبعة مجالاً لتوسيع المقارنة، إذ يميز بين الموقف من المساواة والموقف من الحرية، ويوضح أن الحركات السياسية قد تجمع بينهما بصور مختلفة، وتفيدنا هذه التفرقة في اختبار الثنائية التي قرأناها؛ فالدعوة إلى إزالة عائق اجتماعي لا تحدد وحدها موقف صاحبها من الحرية، والإشادة بالتميز لا تكشف وحدها مقدار قبوله بالسلطة، وبذلك يتيح تجاور النصين بناء مناقشة لا تنتهي عند المصطلحات التي يختارها أحدهما.
وبالنسبة إلى القارئ العربي، تتطلب هذه المناقشة انتباهاً خاصاً إلى انتقال المفاهيم، فالضمير والشرف والذنب والحرية تحمل في استعمالاتنا خبرات متباينة، وقد توظف الكلمة نفسها للدفاع عن استقلال الإنسان أو لمطالبته بالخضوع، ولذلك نحتاج إلى وصل كل مفهوم بالممارسة التي يصفها، وبالنتائج التي يجيزها، ويمكن أن نقرأ التحدي النيتشوي بوصفه تدريباً على هذا الفحص، مع الاحتفاظ بحق مساءلة ما يقدمه من تفسيرات، وما يفترضه عن مصادر الفعل الإنساني.
تصل بنا هذه القراءة إلى امتحان يطال النقد نفسه، فالقيم التي نستخدمها لنقض أحكام موروثة تحتاج بدورها إلى حجج، وإلى استعداد لمواجهة ما قد تخفيه من مصالح وتفضيلات، ولا يكتمل تحرير الحكم بإسقاط هيبة معيار سابق؛ إذ يبدأ بعد ذلك عمل أصعب، هو تسويغ ما نضعه مكانه، وفحص قدرته على فهم الاختلاف وحماية الحياة من التعسف، وعند هذه العتبة يحتفظ السؤال عن قيمة القيم بحدته، لأنه يلزم من يطرحه بأن يقبل توجيهه إلى اختياراته أيضاً.
