الإنسان قبل أن يتحول إلى رقم
يبدأ الرعب حين يصبح اقتلاع الإنسان من حياته أمراً يمكن تنظيمه وإدارته، وحين تفقد الأسماء والبيوت والروابط التي كانت تمنح الوجود معناه قدرتها على حماية أصحابها، في «ليل» لا يضع إيلي فيزيل القارئ أمام أرقام الضحايا وحدها؛ يعيده إلى العالم الذي سبق تدميره، وإلى الفتى الذي لم يكن يعرف أن حياته ستنقسم إلى زمنين لا يصل بينهما سوى الذاكرة، ومن هذه المسافة بين الحياة المألوفة وما حل بها تتولد قوة الكتاب، إذ يستعيد للضحية فرديتها، ويجعل ما حدث مسألة تتعلق بالإنسان الذي نراه ونسمع صوته.
المؤلف وكتابة التجربة
وُلد إيلي فيزيل (Elie Wiesel) سنة ١٩٢٨ في سيغيت، في رومانيا الحالية، ونجا من معسكرات الاعتقال النازية، ثم جعل الكتابة والشهادة محوراً أساسياً في عمله، ونال جائزة نوبل للسلام سنة ١٩٨٦، وللكتاب تاريخ نصي ينبغي تمييز مراحله؛ فقد سبقته شهادة باليديشية صدرت سنة ١٩٥٦، ثم ظهرت صيغته الفرنسية «ليل» سنة ١٩٥٨، وتلتها الترجمة الإنجليزية سنة ١٩٦٠، وهذه المسيرة تذكّر بأن الشهادة التي نقرؤها مرت بعمل على اللغة والبناء والاختيار، وأن نقل التجربة إلى الكتابة فعل شاق لا يساوي مجرد تسجيل ما وقع.
يحتل «ليل» موقعاً تأسيسياً في أعمال فيزيل، ويُقرأ مع «فجر» و«نهار» ضمن ثلاثيته المعروفة، غير أن جمع الكتب الثلاثة لا يلغي اختلافها؛ فـ«ليل» شهادة سيرية على تجربة المعسكرات، بينما يتخذ الكتابان الآخران من الرواية مجالاً لمساءلة ما يخلّفه العنف في الناجي، بهذا المعنى ينتقل مسار الثلاثية من تجربة النجاة إلى أسئلة المسؤولية وإمكان مواصلة الحياة.
الأب والابن في عالم المعسكر
تمنح العلاقة بين الأب والابن الكتاب أحد أشد محاوره إيلاماً، ففي عالم يسعى إلى تفكيك الروابط الإنسانية يصبح البقاء إلى جوار الأب ضرباً من التمسك بما تبقى من الحياة السابقة، لكن الجوع والإرهاق والخوف يضغطون على هذه الرابطة، ويكشفون مقدار ما تستطيع ظروف الإبادة أن تفعله بالإنسان، لا يقدّم فيزيل نفسه في صورة بطل معصوم من الضعف؛ يكتب التردد والعجز والمشاعر التي يخجل المرء من الاعتراف بها، ومن هذه الصراحة تستمد الشهادة جانباً من صدقها الأخلاقي.
وتمنع هذه العلاقة اختزال الكتاب في حكاية انتصار مكتمل، فالخروج من المعسكر لا يعيد المفقودين، ولا يمحو خبرة العيش في عالم تهشمت فيه الثقة بالآخر، يظل سؤال النجاة مفتوحاً؛ ماذا يبقى من الإنسان حين ينجو جسده وتبقى ذاكرته أسيرة ما رأى؟ إن طرح هذا السؤال لا يسلب النجاة قيمتها، لكنه يعيد إليها ثقلها الذي قد تحجبه الروايات المطمئنة عن نهاية الألم.
الإيمان والصمت وحدود القول
يحضر الإيمان في «ليل» بوصفه علاقة تتعرض للامتحان في أقسى الظروف، يواجه الفتى هوة تتسع بين ما تعلّمه عن العدل وما يشهده من تعذيب وإذلال وقتل، ولا تُختزل هذه المواجهة في خلاصة عقدية جاهزة؛ إنها تجربة احتجاج وحيرة تسكن لغة الكتاب، وتدفع القارئ إلى الإصغاء إلى السؤال قبل استعجال الإجابة عنه.
أما اقتصاد اللغة فيضاعف أثر هذه المواجهة، فالجمل المقتصدة والمشاهد التي لا تستنفدها الشروح تترك للقارئ عبء مواجهة ما يقرأ، لا يحتاج الألم إلى زينة بلاغية كي يصير مسموعاً، وتكمن صعوبة قراءة الشهادة في مقاومة الرغبة في تحويلها إلى درس مريح ينتهي بانتهاء الصفحة، إن الصمت المحيط ببعض المشاهد جزء من أثرها؛ فهو يذكّر بما تعجز اللغة عن استعادته كاملاً.
قراءة عربية تحفظ فردية الضحية
تتيح قراءة «ليل» بالعربية لقاءً مباشراً مع تجربة إنسانية كثيراً ما تحجبها التصورات المسبقة والصراعات اللاحقة، ويتطلب هذا اللقاء تمييز الشهادة التاريخية عن الاستخدام السياسي للذاكرة، وحفظ حق الضحية في أن تُسمع من دون اشتراط اتفاقها مع مواقف القارئ أو تصوره للعالم، فالإنصات إلى معاناة إنسان بعينه يوسّع القدرة على التعرف إلى معاناة الآخرين، ويضعف الآليات التي تجعل استبعادهم أمراً مقبولاً.
من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب؛ إنه يردّ إلى الذاكرة أسماءها وروابطها وأسئلتها، ويعيد إلى القراءة مسؤوليتها، وحين نغلق صفحاته لا ينتهي الأمر بمعرفة شيء عن الماضي؛ يبقى سؤال حاضر عن اللغة التي ننزع بها إنسانية الآخرين، وعن المسافة التي نسمح لها بأن تتسع بين رؤية الألم والاستجابة له، هذه المسافة هي أحد المواضع التي يجعلنا «ليل» نعيد النظر فيها.
