
تقديم
لماذا يخشى الإنسان الشك؟ ولماذا تتحول الأسئلة المتعلقة بالدين والأخلاق والمجتمع، في بعض البيئات، إلى تهديد يستدعي المنع أو العقاب؟ قد تبدو هذه الأسئلة معاصرة، لكنها شغلت فلاسفة التنوير الأوروبي الذين وجدوا أنفسهم أمام مجتمعات تفرض على التفكير حدودًا دينية وسياسية واجتماعية صارمة.
في هذا السياق يمكن قراءة كتاب «نزهة المرتاب أو الدروب» للفيلسوف الفرنسي دوني ديدرو (Denis Diderot)، الذي يحتل مكانة بارزة في تاريخ الفكر الأوروبي، بوصفه أحد الأعمال المبكرة التي تكشف عن تشكل الروح النقدية لدى مؤلفه، وعن انتقال الشك من مجرد موقف تجاه بعض المعتقدات إلى منهج لمساءلة السلطات التي تتحكم في حياة الإنسان.
ولد ديدرو عام 1713، وعاش في فرنسا خلال القرن الثامن عشر، حين بدأت التحولات الفكرية التي ارتبطت بعصر التنوير تضع المؤسسات التقليدية أمام تحديات متزايدة. وقد أصبح لاحقًا أحد أبرز المشرفين على المشروع الموسوعي الفرنسي، الذي سعى إلى جمع المعارف ونشرها وإخراجها من احتكار المؤسسات والنخب المحدودة.
غير أن أهمية ديدرو لا تنحصر في إسهامه الموسوعي، فقد ترك أعمالًا فلسفية وأدبية تناولت الأخلاق والدين والطبيعة والفن، واتسمت بكثرة الأسئلة وتنوع الأساليب، وبالاستعداد لمراجعة الأفكار المستقرة.
يجسد «نزهة المرتاب» جانبًا من هذا المشروع، إذ يستخدم المؤلف الحكاية الرمزية والحوار والتهكم ليضع القارئ أمام طرائق مختلفة في فهم العالم، ويكشف عن التناقضات التي قد تنشأ حين يخضع التفكير لسلطة الموروث دون مراجعة.
تقوم البنية الرمزية للعمل على صورة الدروب التي يسلكها الناس، حيث يمثل الطريق أكثر من مجرد مكان للانتقال، ويغدو صورة للمعتقدات التي توجه الحياة والاختيارات التي تحدد مصير الفرد.
في هذه الرحلة الفكرية، لا يظهر الشك باعتباره عجزًا عن الوصول إلى الحقيقة، وإنما بوصفه استعدادًا للتفكير في الأسس التي تقوم عليها القناعات. فالسؤال لا يتعلق بوجود المعتقدات وحدها، وإنما بالطريقة التي يكتسب بها الناس يقينهم، وبمدى قدرتهم على تقديم أسباب مقنعة لما يؤمنون به.
ومن خلال السرد الرمزي، يناقش ديدرو المواقف التي تطلب من الإنسان التسليم بمبادئ لا يحق له فحصها. وتظهر المفارقة حين يدافع أصحاب اليقين المطلق عن تصورات تتضمن تناقضات لا يستطيعون حلها، ثم يطالبون الآخرين باعتبارها حقائق لا تقبل الاعتراض.
هنا يؤدي التهكم وظيفة فلسفية واضحة، لأنه يكشف التناقض بين ما تقوله السلطة عن نفسها وما تمارسه بالفعل. وقد تكون المفارقة الساخرة أقدر على إظهار هشاشة بعض الادعاءات من المناقشة المباشرة، لأنها تدفع القارئ إلى اكتشاف الخلل بنفسه.
وتبرز في العمل أيضًا العلاقة بين الشك والحرية. فالإنسان الذي لا يستطيع مساءلة الأفكار التي ورثها يجد نفسه محكومًا بمجموعة من القناعات التي لم يشارك في اختيارها. وقد يدافع عنها بحماسة دون أن يعرف الأسباب التي تجعله متمسكًا بها.
لكن ممارسة الشك لا تستلزم رفض جميع المعتقدات أو اتخاذ موقف عدائي من أصحابها. إنها تبدأ من الاعتراف بإمكان الخطأ، ومن الاستعداد للمقارنة بين الحجج، ومن رفض اعتبار الأسبقية التاريخية أو المكانة الاجتماعية دليلًا كافيًا على صحة الأفكار.
ولعل هذا التمييز من أهم ما يجعل أعمال ديدرو جديرة بالقراءة اليوم. فقد شهدت المجتمعات الحديثة توسعًا غير مسبوق في وسائل الوصول إلى المعلومات، لكنها لم تتخلص من الميل إلى تصديق الأحكام الجاهزة، أو من الخلط بين قوة الاعتقاد وصحة المعتقد.
وتكتسب هذه الإشكالية أهمية مضاعفة حين تتداخل القناعات الفكرية بالهوية الاجتماعية. فعندما يشعر الفرد بأن مراجعة فكرة معينة تعني التخلي عن انتمائه أو خيانة جماعته، تصبح ممارسة النقد أكثر صعوبة، ويتحول الخلاف الفكري إلى صراع حول الولاء.
من هنا تتجاوز أهمية «نزهة المرتاب» الظروف التاريخية التي نشأ فيها. فالمشكلة التي يناقشها ديدرو لا تتعلق بمؤسسة دينية أو سياسية بعينها، وإنما بآلية أوسع تجعل الإنسان يتخلى عن حقه في التفكير مقابل الشعور بالأمان الذي يمنحه اليقين الجماعي.
وتتيح قراءة العمل كذلك فهم جانب من تاريخ الكتابة الفلسفية في عصر التنوير، حين استخدم المفكرون القصة والرمز والسخرية لتقديم أفكار لم يكن التعبير المباشر عنها ممكنًا دائمًا. فالأسلوب الأدبي هنا جزء من بناء الحجة الفلسفية، لأنه يسمح بتجسيد المواقف المتعارضة وعرض نتائجها داخل تجربة يستطيع القارئ متابعتها.
وتتضح أهمية ذلك حين ندرك أن الفلسفة لا تحتاج دائمًا إلى منظومة من المصطلحات المجردة حتى تطرح أسئلتها الأساسية. فقد تكفي رحلة متخيلة، أو حوار بين شخصيات مختلفة، للكشف عن مشكلات عميقة تتعلق بالحرية والسلطة والحقيقة.
في نهاية المطاف، يقدم ديدرو الشك بوصفه ممارسة فكرية ترفض الاستسلام للأجوبة التي تستمد قوتها من مجرد تكرارها. فالإنسان لا يصبح أكثر استقلالًا لمجرد امتلاكه معلومات كثيرة، وإنما حين يكتسب القدرة على فحصها والتمييز بينها.
وإذا كان عصر ديدرو قد واجه سؤال التحرر من السلطة التي تحتكر تفسير الحقيقة، فإن عصرنا يواجه سؤالًا لا يقل صعوبة: كيف نحافظ على استقلال تفكيرنا وسط فيض من المعلومات والأحكام والمعتقدات التي تتنافس على امتلاك عقولنا؟
