
تقديم
قد يتفق طرفان على ثمن خدمة، ويخرجان من التبادل راضيين، فيما يبقى السؤال عما تصنعه تلك الخدمة بحياتهما المشتركة خارج الحساب، فالعقد يحدد ما يحصل عليه كل منهما، لكنه لا يجيب وحده عن نوع المجتمع الذي يرغبان في العيش فيه، وتظهر المشكلة عندما تنتقل هذه الآلية إلى التعليم والثقافة والعمل والعلاقات الإنسانية، فيغدو ما يمكن شراؤه وبيعه معياراً لما يستحق العناية، وتضيق قدرتنا على وصف الأشياء التي تمنح الحياة قيمتها من دون أن تمتلك سعراً.
عند هذه المسافة بين تنظيم التبادل وتنظيم الوجود الاجتماعي، يقع السؤال الذي يطرحه آلان دو بنوا (Alain de Benoist) في كتابه "ضد الليبرالية: المجتمع ليس سوقاً"، الصادر بالعربية عن الدار الليبرالية بترجمة علي يوسف أسعد، وتركز هذه القراءة على تصور الفرد في افتتاح الكتاب، وعلى صلته بالنقود والمواطنة في فصلي "المال أو المعادل الشامل" و"الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية"؛ فهذه الصلة تكشف كيف ينتقل النقد من صورة الإنسان إلى المعايير التي تنظم علاقاته.
يحدد دو بنوا موضع اعتراضه في تصور الفرد بوصفه كائناً يسبق المجتمع، يمتلك نفسه، ويحسب مصالحه، ثم ينشئ علاقاته باختياره، والفرد هنا مفهوم فلسفي يتصل بمصدر الشرعية وطبيعة الالتزام، ومن الدقة ألا نخلط نقد هذا المفهوم بإنكار الشخصية المستقلة؛ فالمؤلف يميز في افتتاح كتابه بين تميز الشخص وبين الفردانية التي تجعل الوجود المشترك تابعاً لإرادات منفصلة، ويترتب على هذا التمييز أن الاعتراف بتفرد الإنسان لا يلزمنا بتفسير علاقاته كلها بمنطق التعاقد.
يناقش المؤلف في فصل "المال أو المعادل الشامل" قدرة النقود على إخضاع أشياء متباينة لمقياس واحد، فالمقارنة التي تيسر التبادل تختزل الصفات المختلفة إلى مقادير، ويبدأ التحول عندما يصبح هذا الاختزال تصوراً للقيمة ذاتها، وعندما يقترن امتلاك الثروة بالاستحقاق، ويغدو الفقر علامة على عيب في صاحبه، والمشكلة التي يضعها أمامنا تخص هذا الانتقال؛ فقياس القدرة على الشراء لا يقدم وحده حكماً على جدارة الإنسان، ولا يستوعب ما تمنحه أعماله وعلاقاته للآخرين.
لنفكر، استكمالاً لهذا السؤال، في مكتبة عامة داخل حي صغير، فقد يبدو تقليص ساعاتها قراراً ناجحاً إذا اقتصر القياس على كلفة التشغيل وعدد المستعيرين، بينما يصعب على هذا القياس وحده أن يصف مكانتها لدى طفل يجد فيها أول مساحة للقراءة، أو قارئ لا يستطيع شراء الكتب، والمشكلة التي نختبرها بهذا المثال تخص اختيار المعيار نفسه؛ فكل حساب يبدأ بتحديد ما يستحق أن يدخل فيه، وما يمكن إسقاطه من دون أن يظهر في النتيجة.
ويقتضي فهم هذا النقد الانتباه إلى مقصد المؤلف من كلمة الليبرالية، فهو يوضح في المقدمة أن التسامح وحرية التفكير ومناهضة المركزية المتسلطة معان يستطيع تأييدها، بينما ينصب اعتراضه على مذهب يحدد علاقة الإنسان بالمجتمع، ويشير كذلك إلى أن الدولة قد تتدخل لإرساء قواعد المنافسة وخدمة السوق، ولذلك لا يحسم حجم حضورها طبيعة النظام، ويصبح فحص وظيفة المؤسسة، وما تفعله بالعلاقات الاجتماعية، أدق من الاكتفاء بوصفها عامة أو خاصة.
هنا نستطيع تطوير السؤال باتجاه الحماية الاجتماعية نفسها؛ فخدمة تديرها الدولة قد تعامل المستفيد رقماً في سجل، ومبادرة أهلية قد تخضعه لشروط الولاء، ومؤسسة تجارية قد توفر خدمة يحتاج إليها بكفاءة، ولذلك لا يكفي تعيين الجهة المالكة للحكم على العلاقة، ويتطلب الدفاع عن الحياة المشتركة معايير تتيح مساءلة هذه الجهات جميعاً، وفي مقدمتها قدرة الإنسان على الاعتراض، ووضوح المسؤولية، وعدالة الوصول إلى الموارد التي يحتاج إليها.
وتظهر الوجهة السياسية لهذا النقد في فصل الديمقراطية التشاركية، إذ يعترض دو بنوا على احتكار الممثلين المنتخبين للإرادة العامة، مع إقراره بأن الاستغناء الكامل عن التمثيل يواجه صعوبات في المجتمعات الحديثة، فيطلب تصحيحه بتوسيع المشاركة، ولا يختزلها في الاستفتاء؛ فهو يدعو إلى فضاءات للمبادرة والمسؤولية داخل الحي والعمل والحياة المحلية، ويمكن أن نفهم هذه الوجهة باعتبارها محاولة لمنح المواطن قدرة مستمرة على التأثير، تتجاوز لحظة اختيار من ينوب عنه.
غير أن اتساع النقد يستدعي تدقيقاً موازياً في تعريف موضوعه، وقد واجه المؤلف في حواره مع مجلة PHILITT سؤالاً عن موقع ألكسيس دو توكفيل وريمون آرون من أطروحته، فأقر بتعدد الليبراليات، ودافع عن وجود مرتكزات مشتركة بينها، معتبراً أن هذين المفكرين ينتميان على نحو هامشي إلى الليبرالية بالمعنى الذي ينتقده، وهذا الجواب يحدد اختياره النظري بوضوح، لكنه يترك أمام القراءة مسألة الحدود التي يرسمها التعريف للظاهرة المدروسة.
يمكن الاعتراض هنا بأن إبعاد الحالات التي لا تستجيب للتعريف قد يجعل وحدة المذهب نتيجة لطريقة انتقاء ممثليه، وتحتاج الأطروحة، حتى تحتفظ بقوتها التفسيرية، إلى بيان مقدار ما تفسره من اختلافاتهم، وما تعجز عن استيعابه، وتساعد هذه الملاحظة القارئ على التمييز بين نجاح المؤلف في نقد نموذج الإنسان الاقتصادي، وبين تعميم ذلك النجاح على كل فكر يجعل حماية الفرد جزءاً من غايته؛ فهذان ادعاءان يحتاج كل منهما إلى حججه.
ويكتمل الاعتراض على تسليع الحياة في ربط المؤلف بين القياس النقدي والتطلع إلى الزيادة المستمرة، فكل مقدار يقبل إضافة مقدار آخر، ويهدد تعميم هذا المنطق قدرتنا على السؤال عما يكفي، وعما نريد الزيادة منه أصلاً، ومن هنا نستطيع التمييز بين تحسين شروط العيش وتوسيع دائرة الأشياء التي نعاملها كبضائع؛ إذ قد يحتاج المجتمع إلى موارد أكثر، مع احتفاظه بحق تحديد ما يرفض إخضاعه للمزايدة، وما يريد توفيره لأعضائه بوصفه شرطاً للمشاركة.
بالنسبة إلى القارئ العربي، يقتضي استقبال هذا النقد الانتباه إلى اختلاف مواقع الكلمات وتجاربها، فقد يرتبط الحديث عن الجماعة بالتكافل والمشاركة، وقد يستخدم لتقييد المخالف وفرض الطاعة، كما قد تحمل الدعوة إلى حرية الفرد مطلباً بحمايته من التعسف، أو تتحول إلى تجاهل لشروط عيشه المادية، وهذه احتمالات ينبغي فحصها في كل استعمال، فلا تكفي استعادة مفردات النقاش الأوروبي لتحديد ما نحتاج إليه من حقوق وروابط ومؤسسات في مجتمعاتنا.
وتفرض هذه المسافة سؤالاً على البديل المقترح: كيف تحافظ الجماعة على قدرتها على اتخاذ قرار مشترك، وتحمي في الوقت نفسه حق العضو الذي يعترض عليها أو يختار مغادرتها؟ فالتماسك الذي لا يحتمل الاختلاف يختبر الولاء أكثر مما يبني المشاركة، والدفاع عن الخير المشترك يحتاج إلى ضمانات تمنع احتكاره باسم الأصل أو الأكثرية أو التقاليد، وبذلك تصبح مساءلة الهيمنة شرطاً يرافق نقد السوق، ويطال كل سلطة تطالب الناس بالتنازل عن أصواتهم.
تمنحنا أطروحة "ضد الليبرالية" سبباً لإعادة النظر في المقاييس التي نحكم بها على نجاح المجتمع، ويظل امتحانها الأجدى في قدرتها على مساعدتنا على بناء علاقات تتسع للالتزام والاختلاف معاً، فالحياة التي يضيق بها منطق السوق تحتاج إلى أكثر من إعلان رفضه؛ تحتاج إلى تعليم ورعاية وثقافة ومؤسسات تتيح للناس أن يروا أنفسهم شركاء في تقرير مصيرهم، وعند هذا الامتحان يكتسب السؤال عن المجتمع معناه العملي، بما يوفره لكل إنسان من قدرة على المشاركة والعيش بكرامة.
