
تقديم
لا تقوم السلطة دائمًا على القوة، ولا يحتاج صاحبها بالضرورة إلى التهديد أو العقاب حتى يمتثل الآخرون لإرادته. فقد يطيع الإنسان أباه، أو يتبع قائدًا، أو يقبل حكم قاض، دون أن يتعرض لإكراه مباشر. فما الذي يجعل شخصًا يمتلك القدرة على توجيه سلوك الآخرين؟ وكيف تنشأ هذه القدرة، وما الذي يميز السلطة المقبولة عن القوة التي تفرض نفسها بالعنف؟
يحاول الفيلسوف الفرنسي الروسي الأصل ألكسندر كوجيف (Alexandre Kojève) الإجابة عن هذه الأسئلة في كتابه «مفهوم السلطة»، الذي كتبه خلال الحرب العالمية الثانية، ولم يصدر في حياته. وينتمي العمل إلى مشروعه الفلسفي الأوسع الذي سعى من خلاله إلى فهم العلاقات الإنسانية في ضوء الفلسفة الهيغلية، ولا سيما مسألة الاعتراف والصراع والتاريخ.
تبدأ أهمية الكتاب من التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: السلطة والقوة. فقد يمتلك الإنسان وسائل الإكراه التي تمكنه من فرض إرادته، لكنه لا يمتلك بالضرورة سلطة يعترف بها الآخرون. وفي المقابل، قد يتمتع شخص بسلطة واسعة رغم افتقاره إلى الوسائل المادية التي تسمح له باستخدام العنف.
يرى كوجيف أن السلطة تظهر في علاقة بين طرفين، حين يستطيع أحدهما التأثير في سلوك الآخر دون أن يواجه مقاومة فعلية، رغم امتلاك الطرف الآخر القدرة على الاعتراض. ولهذا يتوقف وجود السلطة على طبيعة العلاقة القائمة بين صاحبها ومن يخضع لها، وعلى الأساس الذي يجعل هذا الخضوع ممكنًا.
لا تكفي هذه الملاحظة، بطبيعة الحال، لتفسير جميع أشكال السلطة، لكنها تفتح الطريق أمام تحليل يختلف عن التصورات التي تختزل الظاهرة في أجهزة الدولة أو المؤسسات السياسية.
فالسلطة موجودة داخل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والقضاء والجماعات الاجتماعية، وتتخذ أشكالًا تتفاوت في مصادر مشروعيتها وآليات استمرارها.
أربعة أشكال للسلطة
يميز كوجيف بين أربعة أنماط أساسية، يمثلها الأب والسيد والقائد والقاضي. ولا يقصد بهذه الشخصيات أفرادًا محددين، وإنما نماذج تساعد على فهم الأسس المختلفة التي تستند إليها علاقات السلطة.
ترتبط سلطة الأب بالأصل والتقاليد والاستمرارية. فمكانته لا تنشأ من تفوقه في كل موقف، وإنما من علاقته السابقة بالأبناء، ومن الاعتراف بدوره في نشأتهم وتكوينهم. ويمتد هذا النموذج إلى أشكال من السلطة تستند إلى الموروث والسابقة التاريخية.
أما سلطة السيد، فتتصل بعلاقة السيطرة والاعتراف التي احتلت مكانة مركزية في فلسفة هيغل. وهنا يتداخل مفهوم السلطة مع الصراع بين الأفراد، ومع العلاقة التي تنشأ حين يحتل أحد الطرفين موقعًا يقر الآخر بتفوقه فيه.
في المقابل، تستند سلطة القائد إلى قدرته على المبادرة وتصور المستقبل وتوجيه الجماعة نحو غاية معينة. فالقائد لا يستمد مكانته بالضرورة من أسبقية تاريخية، وإنما من الاعتقاد بقدرته على إدراك ما ينبغي فعله، واتخاذ القرارات التي يعجز الآخرون عن اتخاذها أو يترددون فيها.
وتختلف سلطة القاضي عن هذه الأشكال، لأنها ترتبط بفكرة العدالة والإنصاف. فالقاضي يستمد سلطته من الاعتراف بقدرته على الفصل بين الخصوم وفق معيار يتجاوز مصالح الأطراف المتنازعة. ولذلك تكتسب الحيادية مكانة أساسية في هذا النموذج.
لا تعني هذه الأنماط أن كل سلطة واقعية تنتمي بصورة خالصة إلى أحدها. فقد يجمع الحاكم السياسي بين سلطة القائد المستندة إلى قدرته على توجيه المستقبل، وسلطة الأب القائمة على التقاليد، وسلطة السيد المرتبطة بالتفوق والسيطرة، وسلطة القاضي التي تستند إلى ادعاء العدالة.
وتتيح هذه المقاربة تحليل التوترات التي تظهر عندما تتعارض المصادر المختلفة للسلطة داخل المؤسسة الواحدة.
السلطة والزمن والتاريخ
يلفت كوجيف الانتباه إلى العلاقة بين السلطة والزمن. فبعض أشكالها يستند إلى الماضي، وبعضها يتحدد بما يحدث في الحاضر، فيما يستمد بعضها الآخر قوته من التوقعات المتعلقة بالمستقبل.
تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في دراسة التحولات السياسية. فقد تستند سلطة نظام قائم إلى تقاليد راسخة، ثم تظهر قوة جديدة تطعن في مشروعيته وتقدم نفسها بوصفها القادرة على تحقيق مستقبل مختلف.
وفي مثل هذه الحالات، لا يجري الصراع حول السيطرة على المؤسسات وحدها، وإنما حول الأساس الذي يمنح أصحاب السلطة حق إصدار الأوامر وانتظار الامتثال لها.
قد تستطيع سلطة سياسية المحافظة على مواقعها باستخدام القوة، لكنها تواجه أزمة أعمق إذا فقد المواطنون الاعتقاد بمشروعيتها. وفي المقابل، قد تتمكن حركة سياسية من اكتساب نفوذ واسع قبل وصولها إلى الحكم، حين يقتنع أتباعها بأنها تمتلك تصورًا مقنعًا للمستقبل.
وهذا ما يجعل السلطة ظاهرة تتصل بالمعتقدات والتوقعات والعلاقات الاجتماعية، فضلًا عن اتصالها بالقوانين والمؤسسات.
متى تفقد السلطة مشروعيتها؟
يفتح الكتاب المجال للتفكير في سؤال يتجاوز التحليل الفلسفي المجرد: ما الذي يحدث عندما تتوقف السلطة عن أداء الوظيفة التي تستند إليها؟
فالقاضي الذي يفقد حياده يضعف الأساس الذي تقوم عليه مكانته. والقائد الذي يعجز بصورة مستمرة عن تحقيق الأهداف التي وعد بها يواجه تراجعًا في الثقة بقدرته. أما السلطة التي تعتمد على التقاليد وحدها، فقد تجد نفسها عاجزة عن مواجهة مجتمع تغيرت قيمه وتطلعاته.
لا يقدم كوجيف وصفة سياسية لحل هذه المشكلات، لكنه يساعد على فهم أن استمرار السلطة يحتاج إلى أكثر من القدرة على إصدار الأوامر.
وتبدو هذه المسألة شديدة الأهمية في المجتمعات التي مرت بحروب وثورات وتحولات سياسية كبرى. ففي مثل هذه الظروف، قد تنهار مؤسسات الحكم بسرعة، بينما تستمر أنماط الطاعة والتبعية التي ترسخت عبر سنوات طويلة.
ولهذا لا يكفي تغيير الأشخاص الذين يشغلون مواقع السلطة لفهم طبيعة التحول السياسي، لأن العلاقات التي تمنح السلطة معناها قد تستمر حتى بعد اختفاء المؤسسات التي احتضنتها.
يقدم «مفهوم السلطة» أدوات فلسفية تساعد على قراءة هذه العلاقات، ويذكرنا بأن السلطة ليست شيئًا يمتلكه الحاكم بصورة مستقلة عن المجتمع، وإنما علاقة تتحدد باستمرار بين من يمارسها ومن يعترف بها.
ومن هنا تنشأ المفارقة التي تجعل الكتاب جديرًا بالقراءة: يستطيع الإنسان أن يمتلك القوة دون أن يحظى بالسلطة، وأن يتمتع بالسلطة دون أن يلجأ إلى القوة. أما السؤال الأصعب، فيتعلق بالكيفية التي ينتقل بها المجتمع من الطاعة المفروضة إلى الاعتراف الحر بشرعية من يحكمه.
