THE LIBERAL LIBRARY / INDEPENDENT PUBLISHINGنشر المعرفة وتوسيع آفاق التفكير
مقالات ودراسات

وداعًا للعقل: حين تتحول العقلانية إلى سلطة

19 تشرين الأول 2026

هل يمكن أن تتحول العقلانية، التي ارتبطت في تاريخ الفكر الحديث بتحرير الإنسان من الخرافة والتعصب، إلى وسيلة جديدة لفرض الوصاية على تفكيره؟ وهل يمتلك العلم، بما حققه من إنجازات عظيمة، الحق في احتكار تفسير العالم وتحديد ما ينبغي للإنسان أن يؤمن به أو يرفضه؟ هذان السؤالان يشكلان مدخلًا ملائمًا إلى كتاب «وداعًا للعقل» للفيلسوف النمساوي بول فيرابند (Paul Feyerabend)، أحد أبرز المفكرين الذين أعادوا النظر في الأسس الفلسفية للمعرفة العلمية وفي المكانة التي اكتسبها العلم داخل المجتمعات الحديثة.

تقديم

هل يمكن أن تتحول العقلانية، التي ارتبطت في تاريخ الفكر الحديث بتحرير الإنسان من الخرافة والتعصب، إلى وسيلة جديدة لفرض الوصاية على تفكيره؟ وهل يمتلك العلم، بما حققه من إنجازات عظيمة، الحق في احتكار تفسير العالم وتحديد ما ينبغي للإنسان أن يؤمن به أو يرفضه؟ هذان السؤالان يشكلان مدخلًا ملائمًا إلى كتاب «وداعًا للعقل» للفيلسوف النمساوي بول فيرابند (Paul Feyerabend)، أحد أبرز المفكرين الذين أعادوا النظر في الأسس الفلسفية للمعرفة العلمية وفي المكانة التي اكتسبها العلم داخل المجتمعات الحديثة.

قد يوحي عنوان الكتاب بأن مؤلفه يدعو إلى التخلي عن العقل أو العودة إلى الخرافات والمعتقدات غير العلمية. غير أن قراءة العمل تكشف عن مشروع فكري أكثر تعقيدًا، يسعى إلى تحرير النشاط الإنساني من التصورات التي تختزل العقلانية في مجموعة محددة من القواعد والمناهج، وتمنح أصحابها سلطة الفصل النهائي بين المعرفة المشروعة والمعرفة التي ينبغي استبعادها.

ينتمي فيرابند إلى تقليد فلسفي نقدي نشأ داخل فلسفة العلم نفسها، وبلغت أطروحاته شهرة واسعة مع صدور كتابه «ضد المنهج»، الذي شكك فيه في إمكان إخضاع تطور المعرفة العلمية لمنهج واحد ثابت. وفي «وداعًا للعقل» تتسع دائرة النقد لتشمل العلاقة بين العلم والثقافة، وبين العقلانية والتقاليد، وبين الخبرة الإنسانية والمؤسسات التي تدعي امتلاك المعايير الصحيحة للحكم عليها.

العلم وحدود اليقين

ينطلق فيرابند من ملاحظة أساسية تتعلق بتاريخ المعرفة: لم يتقدم العلم دائمًا وفق القواعد التي وضعها الفلاسفة لتفسير نجاحه. فقد نشأت اكتشافات علمية مهمة في ظروف اتسمت بتعارض النظريات، وتعدد التفسيرات، والخروج على المبادئ التي عُدت في أزمنة معينة شروطًا ضرورية للتفكير السليم.

وهذا التباين بين تاريخ العلم الفعلي والصورة المنهجية المثالية التي تُرسم له يدفع المؤلف إلى التساؤل عن مشروعية تحويل المناهج العلمية إلى قواعد عامة تحكم سائر أشكال المعرفة الإنسانية.

فالعلم ليس بناءً ثابتًا اكتمل مرة واحدة، وإنما نشاط تاريخي يتطور من خلال المراجعة والخلاف والتجريب، وتتداخل في مسيرته اعتبارات نظرية واجتماعية وثقافية. ومن ثم، فإن الاعتراف بإنجازاته لا يستلزم افتراض عصمته من الخطأ، كما أن الثقة بقدرته على تفسير الظواهر الطبيعية لا تستوجب منحه سلطة مطلقة على جميع جوانب الحياة.

تكتسب هذه الفكرة أهميتها عندما تنتقل السلطة العلمية من مجال البحث إلى المجال الاجتماعي، وحين يصبح الاحتكام إلى الخبراء بديلًا عن النقاش العام، ويُطلب من الأفراد التسليم بقرارات تمس حياتهم لمجرد أنها تستند إلى معرفة متخصصة.

لا ينكر فيرابند الحاجة إلى الخبرة، لكنه يرفض أن تتحول المعرفة المتخصصة إلى مصدر لسلطة لا تقبل المساءلة.

العقلانية والتنوع الثقافي

من أكثر جوانب الكتاب إثارة للاهتمام دفاعه عن التعدد الثقافي بوصفه عنصرًا أساسيًا في التجربة الإنسانية. فالمجتمعات لا تفهم العالم بالطريقة نفسها، ولا تتطابق أنماط المعرفة التي طورتها عبر تاريخها الطويل.

توجد تقاليد معرفية ارتبطت بالخبرة العملية، وأخرى بالدين والأسطورة والفن، وأخرى نشأت داخل المؤسسات العلمية الحديثة. وقد تتعارض هذه التقاليد أو تتقاطع، لكنها تظل جزءًا من المحاولات الإنسانية المتنوعة لفهم الوجود وتنظيم الحياة.

يرفض فيرابند النظرة التي تتعامل مع هذا التنوع بوصفه مرحلة ينبغي تجاوزها وصولًا إلى نموذج ثقافي واحد. ذلك أن اختزال الخبرات المختلفة في معيار موحد قد يؤدي إلى إفقار المعرفة نفسها، وإلى إقصاء أشكال من التفكير قبل فهم الظروف التي نشأت فيها والوظائف التي تؤديها.

وهنا تظهر الصلة الوثيقة بين فلسفته ومفهوم الحرية. فالحرية الفكرية لا تقتصر على السماح للأفراد بتبني آراء مختلفة داخل إطار معرفي محدد سلفًا، وإنما تشمل حقهم في مساءلة الإطار نفسه، ومناقشة المعايير التي تحدد ما يعد معرفة وما يستبعد من مجالها.

لكن الدفاع عن التنوع لا يعني أن جميع المعتقدات صحيحة بالدرجة نفسها، أو أن التحقق من الادعاءات العلمية أمر غير ضروري. فالمسألة تتعلق بالتمييز بين إخضاع الأفكار للنقد وبين استبعادها استنادًا إلى أحكام مسبقة عن أصحابها أو مصادرها الثقافية.

حين يصبح التقدم شكلًا من أشكال الإقصاء

يفتح الكتاب مجالًا آخر للتفكير في مفهوم التقدم. فمنذ عصر التنوير، اقترنت فكرة التقدم بقدرة الإنسان على توسيع معرفته بالعالم والسيطرة على الظروف الطبيعية والاجتماعية التي تحد من حريته.

غير أن هذا المفهوم اكتسب أحيانًا طابعًا معياريًا صارمًا، إذ باتت المجتمعات تُقاس بمدى اقترابها من نموذج بعينه للتطور، وتُعامل خبراتها المختلفة بوصفها مظاهر تأخر تحتاج إلى التصحيح.

ينبه فيرابند إلى أن التقدم لا يمكن اختزاله في زيادة القدرة التقنية أو اتساع المعرفة العلمية. فالقيمة الإنسانية لهذه الإنجازات تتوقف أيضًا على آثارها في حياة الأفراد، وعلى مقدار الحرية الذي تتيحه لهم، وعلى قدرتهم على المشاركة في تحديد الأهداف التي توظف المعرفة لتحقيقها.

فما جدوى مجتمع يمتلك أدوات علمية متقدمة إذا فقد أفراده القدرة على مساءلة القرارات التي تتحكم في مستقبلهم؟ وما معنى التقدم حين تُفرض على الإنسان صورة واحدة للحياة الجيدة، ويُحرم من اختيار الطريقة التي يريد بها أن يعيش؟

لا يقدم الكتاب إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، لكنه يدفع القارئ إلى مراجعة العلاقة التي اعتاد إقامتها بين المعرفة والسلطة والتقدم.

دفاع عن العقل المنفتح

تنبع أهمية «وداعًا للعقل» من أنه يضع القارئ أمام مفارقة فلسفية عميقة: قد يتطلب الدفاع عن العقل مقاومة بعض المؤسسات والمذاهب التي تتحدث باسمه.

فالعقل الذي يفقد القدرة على مراجعة أحكامه يتحول تدريجيًا إلى منظومة مغلقة، والعلم الذي يُعامل بوصفه مصدرًا للحقيقة النهائية يفقد جانبًا أساسيًا من طبيعته النقدية.

لذلك يمكن قراءة الكتاب بوصفه دفاعًا عن عقل منفتح على الاختلاف، يعترف بحدود معرفته ويحتفظ باستعداده لتغيير أحكامه كلما ظهرت خبرات أو أدلة جديدة.

وفي زمن تتزايد فيه سلطة الخبراء والتقنيات والمؤسسات المعرفية، تستعيد أسئلة فيرابند راهنيتها، لأنها تتعلق بموقع الإنسان داخل عالم تتسع فيه المعرفة بوتيرة قد تتجاوز قدرته على المشاركة في توجيهها.

يبقى السؤال الذي يطرحه الكتاب على نحو غير مباشر: هل نريد عقلانية تساعد الإنسان على التفكير بحرية، أم عقلانية تحدد له مسبقًا حدود ما يحق له أن يفكر فيه؟

مديرة قسم الترجمة والتحريرشيرين علوش