تقديم
نستطيع أن نعرف كثيراً عن موضوع ضيق، وأن نبقى عاجزين عن وصل ما نعرفه بأسئلة تتجاوز حدوده، وقد تتحول المعرفة عندئذ إلى مهارة تعمل داخل مجالها، وتفقد قدرتها على مساعدتنا في فهم العالم الأوسع، ومن هذه المسافة بين دقة التخصص واتساع النظر ينطلق السؤال الذي تتناوله "مكتبة الشباب الأوروبي: 200 مقال لنتعلم التفكير"، الصادرة عن الدار الليبرالية.
يجمع هذا العمل الجماعي، الذي أشرف عليه آلان دو بنوا (Alain de Benoist) وغيوم ترافر (Guillaume Travers)، مداخل إلى أعمال في الفلسفة والتاريخ والعلوم وغيرها، وأركز في هذه القراءة على مقدمته ومداخل "العلم الجديد" و"الحقيقة والمنهج" و"العلم والمنهج"، إذ تتيح مقارنة هذه النماذج اختبار معنى التفكير الذي يقترحه المشروع، وحدود الجمع بين طرائق مختلفة في المعرفة.
تضع المقدمة مطلبين متلازمين: امتلاك معالم فكرية تسمح بربط الوقائع، والاستعداد لمراجعة هذه المعالم عندما تواجه أسئلة جديدة، وينشأ بينهما توتر منتج، فالمعرفة تحتاج إلى تنظيم، لكن التنظيم قد يتحول إلى قيد إذا أصبح مصيره أهم من الوقائع التي يفسرها، ويغدو تعلم التفكير تدريباً على بناء الصلات، وعلى اختبار قدرتها على الصمود أمام ما يعترضها.
في مدخل "العلم الجديد" لجيامباتيستا فيكو (Giambattista Vico)، تظهر صلة معرفة المجتمعات بكون البشر مشاركين في صنع عالمها، فتكتسب اللغة والآثار والقصص أهمية في فهم تشكل الحياة المشتركة، ويمنح هذا المدخل الخيال موقعاً داخل المعرفة التاريخية، بما يتيح الانتباه إلى الطرق التي أعطى بها الناس معنى لتجاربهم، وأقاموا عبرها مؤسساتهم وروابطهم.
ويقترب مدخل "الحقيقة والمنهج" لهانز جورج غادامر (Hans-Georg Gadamer) من مشاركة القارئ في إنتاج الفهم، فنحن ندخل إلى النص بتوقعات ومعارف سابقة، ونحتاج إلى مراجعتها كلما تقدمت القراءة، وبذلك تصبح علاقتنا بالعمل امتحاناً لما نحمله إليه، ويقتضي الفهم استعداداً لتعديل الحكم، وإصغاء إلى ما لا ينسجم فوراً مع الصورة التي بدأنا منها.
وفي عرض "العلم والمنهج" لهنري بوانكاريه (Henri Poincaré)، يبرز النشاط العلمي بوصفه عملاً يناقش ويقدر ويعمم ويصحح، ويتيح هذا العرض النظر إلى دور الأدوات والتصورات في بناء المعرفة، مع ضرورة الاحتفاظ بالفروق بين مناقشة شروط البحث وبين الحكم على نتائجه، فمعرفة أن للباحث اختيارات منهجية لا تعفينا من فحص أدلته، ولا تجعل التفسيرات متساوية في قدرتها على الإقناع.
يمكن للقارئ أن يصل بين هذه المداخل انطلاقاً من سؤال عن دور الإنسان في المعرفة، ثم يلاحظ اختلاف موضوعاتها ومقاييسها، وهذه المقارنة من عمل القراءة الذي تسمح به المكتبة، ولا تستلزم اتفاق المفكرين أو إمكان دمجهم في مذهب واحد، وتظهر قيمة التجاور عندما يجعل الفروق أوضح، ويمنع استعارة جواب من مجال لتطبيقه على مجال آخر قبل اختبار ملاءمته.
وتمنح قوائم المراجع الملحقة بالمداخل امتداداً عملياً لهذه المقارنة، إذ يستطيع القارئ متابعة الفكرة في العمل الذي عرضها، ومقابلة الشرح الموجز بحججه وتفاصيله، ويظل هذا الانتقال ضرورياً حتى تحتفظ المكتبة بوظيفتها التعليمية، فمعرفة الخلاصة قد تساعد على توجيه الاهتمام، أما بناء الحكم فيحتاج إلى التعرف إلى الطريق الذي انتهى بها إلى تلك النتيجة.
ويستطيع القارئ العربي أن يستخدم هذه المداخل لبناء مسارات قراءة تخص أسئلته، وأن يختبر ما تضيفه إلى خبرته، مع الانتباه إلى أن اختيار الأعمال يحمل منظور المشرفين، ويظل قابلاً للنقاش والتوسيع، وتبدأ ثمرة المشروع عندما تصبح المعرفة التي نكتسبها قدرة على المقارنة وتسويغ الاختيار ومراجعة الموقف، فالتفكير الذي تتعلمه القراءة يظهر في استقلال السؤال، وفي استعداد صاحبه لتغيير جوابه حين تقتضي الحجة ذلك.
